أحمد بن محمد القسطلاني
92
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
إلاّ بضعفائكم ) زاد النسائي بصومهم وصلاتهم ودعائهم ووجه بأن عبادة الضعفاء أشدّ إخلاصًا لخلوّ قلوبهم من التعلق بالدنيا وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله فجعلوا همهم واحدًا فزكت أعمالهم وأجيب دعاؤهم . 2897 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنهم - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « يَأْتِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ ، فَيُقَالُ : فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَيُقَالُ نَعَمْ ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ . ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ : فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَيُقَالُ نَعَمْ ، فَيُفْتَحُ . ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ : فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَيُقَالُ نَعَمْ ، فَيُفْتَحُ » . [ الحديث 2897 - طرفاه في : 3594 ، 3649 ] . وبه قال : ( حدثنا عبد الله بن محمد ) المسندي قال : ( حدثنا سفيان ) بن عيينة ( عن عمرو ) هو ابن دينار أنه ( سمع جابرًا ) هو ابن عبد الله الأنصاري الصحابي ( عن أبي سعيد ) سعد بن مالك الأنصاري ( الخدري - رضي الله عنهم - ) وسقط لفظ الخدري لأبي ذر ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) ) ( يأتي زمان يغزو فئام ) بكسر الفاء وفتح الهمزة وبعد الألف ميم أي جماعة ( من الناس ) والفئام لا واحد له من لفظه والجار والمجرور في موضع رفع صلة لفئام كما أن الجملة قبله صفة لزمان والعائد محذوف أي فيه وللحموي والكشميهني يغزو فيه فئام من الناس ( فيقال : فيكم ) بحذف همزة الاستفهام ( من صحب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فيقال : نعم . فيفتح عليه ثم يأتي زمان فيقال : فيكم من صحب أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فيقال : نعم ، فيفتح ) أي عليه ( ثم يأتي زمان فيقال : فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فيقال : نعم ، فيفتح ) أي عليه وحذفت منهما لدلالة الأولى والمراد من الثلاثة الصحابة والتابعون وأتباع التابعين . وهذا الحديث أخرجه أيضًا في علامات النبوة وفضائل الصحابة ومسلم في الفضائل . 77 - باب لاَ يَقُولُ فُلاَنٌ شَهِيدٌ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ » . هذا ( باب ) بالتنوين ( لا يقول فلان شهيد ) على سبيل القطع بذلك إلا إن ورد به الوحي . ( وقال أبو هريرة ) فيما وصله في باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه قال : ( الله أعلم بمن يجاهد في سبيله ) ولأبي ذر : ( والله أعلم بمن يكلم ) بضم أوّله وفتح ثالثه أي يجرح ( في سبيله ) فلا يعلم ذلك إلا من أعلمه الله . 2898 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ - رضي الله عنه - : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا ، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ لاَ يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلاَ فَاذَّةً إِلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ ، فَقَالُوا : مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلاَنٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : أَنَا صَاحِبُهُ ، قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ ، قَالَ : فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا ، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ : أَنَا لَكُمْ بِهِ . فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا ، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَلِكَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ " . [ الحديث 2898 - أطرافه في : 4202 ، 4207 ، 6493 ، 6607 ] . وبه قال : ( حدّثنا قتيبة ) بن سعيد قال : ( حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن ) بن محمد القاريّ بتشديد الياء الإسكندراني ( عن أبي حازم ) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج ( عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التقى هو والمشركون ) في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى في باب : إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر التصريح بوقوع ذلك في خيبر لكن في اتحاد القصتين نظر لما وقع بينهما من الاختلاف في بعض الألفاظ ، وقد جزم ابن الجوزي بأن قصة سهل هذه وقعت باُحُد ، ويؤيده أن في حديث الباب عند أبي يعلى الموصلي أنه قيل لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أُحُد ما رأينا مثل ما أبلى فلان . الحديث . وفي ذلك شيء يأتي إن شاء الله تعالى في المغازي ( فاقتتلوا فلما مال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى عسكره ) أي رجع بعد فراغ القتال في ذلك اليوم ( ومال الآخرون إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجل ) هو قزمان بضم القاف وسكون الزاي بعدها ميم فألف فنون ( لا يدع لهم ) أي للمشركين ( شاذة ) بشين معجمة وبعد الألف ذال معجمة مشدّدة ( ولا فاذة ) بالفاء والذال المعجمة أيضًا والأولى التي تكون مع الجماعة ثم تفارقهم والأخرى التي لم تكن قد اختلطت بهم أصلاً أي أنه لا يرى شيئًا إلا أتى عليه فقتله . والتأنيث إما أن يكون للمبالغة كعلاّمة ونسّابة أو نعت لمحذوف أي لا يترك لهم نسمة شاذة ( إلاّ اتبعها يضربها بسيفه فقال ) أي قائل ، وعند الكشميهني في المغازي فقلت فإن كانت محفوظة فهو سهل الساعدي ( ما أجزأ ) بجيم وزاي فهمزة أي ما أغنى ( منا اليوم أحد كما أجزأ فلان ) أي قزمان ( فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بوحي من الله : ( أما ) بتخفيف الميم استفتاحية فتكسر الهمزة من قوله ( إنه من أهل النار ) لنفاقه في الباطن ( فقال رجل من القوم ) : هو أكثم بن أبي الجون الخزاعي ( أنا صاحبه ) ، أي أصحبه وألازمه لأنظر السبب الذي يصير به من أهل النار فإن فعله في الظاهر جميل وقد أخبره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه من أهل النار فلا بدّ له من سبب عجيب ( قال : فخرج معه كلما وقف وقف معه وإذا